لوحة

0 273

جائتني موديل كنت متفقا على رسمها

يروي لنا هذه الواقعة الأديب الإنجليزي العظيم (تشارلز ديكنز)* (1812-1870)..
الواقعة لم تحدث له شخصيا..ولكنه سمع تفاصيلها ممن وقعت لهم..من ثم صاغها بقلمه ونشرها في مجلة اسمها (على مدار السنة)..وهاكم تفاصيلها…
أنا فنان مشهور أسكن في غرفتين.. إحدى الغرفتين هي التي أعمل فيها أو أتوهم أنني أفعل ذلك لأن الغرفتين متداخلتين فلا أعرف أين أعمل ولا أين أنام.. وهذا يسبب لي مشكلة خاصة عند النوم أو عندما يزورني أحد من الناس..
في إحدى ليالي الشتاء جاءتني موديل كنت متفقا معها على أن أرسمها مقابل بعض المال..
جاءتني تطلب جزء مما اتفقنا عليه فأعطيتها إياه ثم انصرفت..
بعدها فوجئت بمن يطرق الباب..فقمت أفتح الباب لأجد رجلا وسيدة متأنقين..
قدم الرجل لي نفسه قائلا:
مرحبا سيد (جون كونستابل)** أنا السيد (كيرك) وهذه زوجتي..
وقبل أن أعرب لهما عن دهشتي قال السيد (كيرك):
سمعت عنك..وعرفت من الفتاة الموديل التي قابلتها في الشارع عنوانك وأنا في حاجة إليك..
عرفت منهما أن عددا من أفراد أسرتهما في حاجة إلى أن أرسمهم…
فعرضت عليهما نماذج من اللوحات والأساليب المختلفة ليختارا الأسلوب الذي يروق لهما..
بعدها استأذناني للانصراف..وترك السيد (كيرك) بطاقته..على وعد بلقاء قريب..
بعد أيام انتهيت من رسم الموديل وقررت أن أذهب للسيد (كيرك)..
أخرجت بطاقته وقرأت عنوانه..وجدت أنه يسكن في مدينة في شمال (إنجلترا)..
وجدتها فرصة للاستجمام كذلك..وقررت السفر بالقطار حيث إنني أعشق النظر من نوافذه وهو يطوي الطريق مسرعا بين الحقول الخضراء..يا له من منظر بديع..
ركبت القطار نحو شمال انجلترا

وركبت القطار.. ولحسن الحظ وجدت مقعدا خاليا بجوار النافذة..
وجاءت سيدة بملابس سوداء..وجلست في المقعد المواجه لي. وقالت إنها في حاجة إلى أن يهب الهواء على وجهها..ثم أرجعت رأسها للوراء واسترخت..
تطلعت لوجهها أتأمله..كانت مسبلة العينين وعلى وجهها هدوء عميق..
كانت ملائكية الملامح..وكم تمنين أن أرسم مثل هذا الوجه..
وبينما أنا غارق في خواطري إذ فتحت عينيها فجأة..وابتسمت في مودة..وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث..
تحدثنا كأننا أصدقاء قدماء.. وكانت تحدثني في موضوعات فنية كأنها تعرفني.. أو كأنني أعرفها.
بسرعة غريبة توقف القطار عند المدينة التي أريدها..ومدت يدها تسلم ..
وقلت لها:أرجو أن أراك ثانية..
فابتسمت وقالت:سوف تراني..تأكد من هذا..
غادرت محطة القطار وصورتها لم تفارق خيالي..وركبت سيارة أجرة باتجاه منزل السيد (كيرك)..
واستقبلني السيد (كيرك) وزوجته ورحبا بي..ثم جاءت الخادمة. وأشارت إلى غرفتي..
وضعت حقائبي وبدلت ملابسي..وذهبت إلى الصالون..
وهناك وجدت سيدة القطار ذات الفستان الأسود..وكانت مفاجأة..
ولكن يبدو أنها لت تفاجأ بوجودي..حيث ابتسمت قائلة: ألم أقل لك إنك سوف تراني؟
قلت لها: لو كنت أعرف أننا ذاهبان إلى نفس البيت لرافقتك..
فقالت ضاحكة: إن طريقي صعب.
لم أفهم..ولم يعنيني أن أفهم..كنت مأسورا بوجهها الملائكي وسحرها ورقتها..
ثم قامت بخفة ووقفت أمام المدفأة..ثم بنفس الخفة التقطت كتابا من المكتبة وقدمته لي..
وفتحت الكتاب على صفحة بها لوحة مرسومة بالألوان..وسألتني:
هل هذه السيدة تشبهني؟
فقلت: فعلا تشبهك. ولكن من هي؟
قالت: إنها زوجة أحد اللوردات..
قالت:هل تتذكر وجهي هذا؟
قلت: لا أحد ينساه
قالت: كنت أتوقع منك ذلك..ولكن هل تستطيع أن ترسمه من الذاكرة.
فقلت: لو أعطيتني فرصة الآن لأراك أوضح لفعلت..لو جلست أمامي بعض الوقت.
فاعتذرت وقالت: فيما بعد..وتذكر أن معك الكتاب..
ثم انصرفت..
وجاء السيد (كيرك) وزوجته..ودعتني السيدة (كيرك) إلى غرفة الطعام قائلة:إن العشاء جاهز
وتناولنا العشاء وسط حفاوة بالغة منهما..كنت أريد أن أسألهما عن السيدة ولكنني آثرت الصمت..
وذهبنا مجددا إلى الصالون..ثم تكاثر حولنا الأقارب رجالا ونساء و أطفالا يحيونني ويطلبون مني أن أرسمهم..
ولكنني اعتذرت متعللا بإرهاق السفر على وعد مني بتنفيذ رغباتهم في الصباح..
ذهبت إلى غرفتي ونمت وصورتها لم تبرح خيالي..
وفي الصباح ترقبت ظهورها ولكنها لم تظهر..
كنت أمني نفسي بأن أجدها وسط الحشد الذي سأرسمه..ولكنها طيلة مدة مكوثي في منزل السيد (كيرك) لم تظهر..وددت كثيرا أن أسأل عنها ولكني كنت أتراجع خشية من أن يتهمونني بالتطفل..
وعندما عدت خائب الأمل إلى منزلي كان أول ما قررت فعله هو أن أرسمها كما وعدتها.. أخرجت الكتاب وبدأت أرسمها..وعندما انتهيت وتأملتها أيقنت بأنها من أبدع الصور التي رسمتها طيلة حياتي..
وقررت الاحتفاظ بالصورة عوضا عنها ممنيا نفسي بأن أعثر عليها يوما..
ومضت ستة شهور..
ورأيت من المناسب أن أذهب إلى الشمال في رحلة استجمام..
وركبت القطار كالمعتاد وأنا أستعيد الذكريات.. وتوقف القطار عند إحدى المدن الصغيرة وأفهمنا السائق أن هناك عملا في القطار وفي القضبان..وأنه لابد من البقاء أربع ساعات على الأقل..
وتذكرت أن لي صديقا قديما في هذه المدينة وأن اسمه السيد (لوط)..
وسألت ناظر المحطة..وقال إنه يعرفه..وبعث ناظر المحطة في طلب السيد (لوط)..
وبعد ساعة جاء رجل في حوالي الخمسين من عمره..
وقال: أنت تسأل عني؟
قلت مندهشا: من أنت؟
قال: أنا السيد (لوقا)
اندهشت وقلت: ولكنني لا أعرفك..لقد أرسلنا في طلب رجل آخر..
تضاعفت دهشتي عندما قال الرجل: بل أنت الرجل الذي أريده..أنت بالضبط..وأرجوك أن تقبل المبيت عندنا.. فأنا أقيم في بيتي وحيدا مع ابنة صغيرة لي..وأريدك أن ترسم لوحة لابنتي التي أحبها كثيرا..هذه اللوحة هي أعز ما سوف أملكه في هذه الدنيا..أرجوك
ووضع الرجل رأسه بين كفيه وأجهش بالبكاء..
أشفقت على الرجل وقررت الذهاب معه إلى بيته..
هناك قابلتنا ابنته..اسمها (مريم)..في الخامسة عشرة من عمرها.. وهي من ذلك النوع من الفتيات التي اعتمدت على نفسها في سن مبكرة..ففيها شجاعة وسوء ظن بالناس..ولذلك ترفع الكلفة بسرعة إيمانا منها بأنه لا داعي للخوف من أحد..
وقال لي السيد (لوقا) مبتسما: ابنتي (مريم) واقعية جدا..لن تحزن لفراق أحد..ولن يحزن لفراقها أحد..
سبقتني (مريم) إلى غرفة نظيفة وقالت: هذه غرفتك..أما أبي فإنه لن يقوى على السهر معك هذه الليلة لأنه مريض..
فقلت: آسف لإزعاجه. ولكنه هو الذي دعاني لكي أرسمك.
فقالت: صورتي أنا؟ بل صورة أختي.
فقلت: لا مانع..أنا على استعداد
فقالت: لكن أختي ماتت من ستة شهور. وأبي مريض منذ ذلك الحين..فقد كان يحبها كثيرا..وكانت وفاتها أكبر صدمة له..لذلك تمنى لو يجد لها صورة.. أو يرسمها أحد..ولا ريب عندي أنه استدعاك لذلك الأمر..
تأثرت بكلامها وسألتها: وهل تشبهين أختك؟
قالت: أبدا.
قلت. إذن حاولي أن تصفي لي أختك..وأنا أحاول أن أرسمها..
أعجبتها الفكرة…وراحت تصف أختها وأنا أرسم..ولكني أعرف أن هذه المحاولات تنتهي بالفشل..
فقد جربت ذلك كثيرا..وكانت النتيجة في كل مرة مخيبة للآمال..
وكلما رسمت لوحة عرضتها على (مريم) فتقول: لا تشبهها..
ثم بدا وكأنها تذكرت شيئا إذ قالت بتأثر:: آه.. أختي (كارولين) رحمها الله كانت تشبه صورة سيدة معروفة.. هذه الصورة كانت في كتاب تحتفظ هي به..ولكن بعد وفاتها اختفى هذا الكتاب..ولست أدري أين ذهب..
قلت: أذكري لي اسمه أو اسم ناشر الكتاب وأنا أحاول العثور عليه..
حاولت أن تتذكر في نفس الوقت الذي أضاء فيه عقلي بفكرة مجنونة..
ذهبت مسرعا إلى غرفتي..وأخرجت صورة سيدة القطار التي أحتفظ بها..ولم تكد (مريم) تراها حتى صاحت:
كيف رسمتها ؟ هل كنت تعرفها ؟

هذه هي أختي..هذه هي (كارولين)..ولكن كيف رسمتها؟..هل كنت تعرفها؟؟..
لم أشأ أن أخبرها..ولكنها لم تنتظر إذ صاحت:
سأذهب لأخبر أبي..إن سعادته ستفوق عنان السماء..
وبعد لحظات جاء أبوها مستبشرا والسعادة وعلامات الارتياح تغمر وجهه..وبدا وكأنه استرد صحته وحيويته.. إذ ما إن شاهد اللوحة حتى أجهش بالبكاء واحتضنني بتأثر بالغ وهو يقول:
كنت على يقين من أنه أنت..أنت
قلت بدهشة: سيد (لوقا) أنا لا أفهم شيئا..
فقال لي بصوت متهدج:
اجلس يا ولدي..اجلس وسأخبرك بكل شيء
جلست والدهشة تعتريني أكثر وأكثر..في حين استطرد هو قائلا:
كانت لي ابنة جميلة اسمها (كارولين)..كنت أعشقها..وكانت تحبني بجنون..
توفيت زوجتي بعد ولادة (مريم) بحمى النفاس..وكانت (كارولين) في السابعة من العمر..لم أتزوج بعدها ..وصارت (كارولين) هي سيدة البيت..وكانت برغم صغر سنها تعي المسئولية الملقاة على عاتقها..وكانت محبوبة من الكل..وكنا نعيش سعداء..
كم من مرة دخلت البيت لأجدها في غرفتها تحتضن شال أمها وتجهش بالبكاء..فما إن تراني حتى تجفف دموعها بسرعة وتقوم لي لتحتضنني هاشة باشة..
كانت تخفي أحزانها وتأبى أن يشاركها فيها أحد..في حين كانت تشارك كل الناس أحزانهم وتخفف عنهم مصابهم..
ومضت الحياة..ولكن أبى القدر إلا أن يختطف منا السعادة..
ففي يوم مشئوم كانت (كارولين) عائدة من عملها..دهسها القطار..ودهس معها كل سعادتي وأحلامي..
وعندما وصلني الخبر..لم تقو قدمي على حملي فانهرت في غيبوبة عميقة..
وعندما أفقت رأيتها..كانت تخطر في ثوب أبيض وقد أشرق وجهها..وقالت:
لا تحزن على فراقي يا أبي..فأنت رجل مؤمن بقضاء الله
قلت: وكيف لي ألا أحزن وقد فقدتك؟..ليتني مت قبلك
قالت: ذاك هو قدرنا يا أبي..
قلت: ولكنه قدر عابث..بأي حق يختطفك مني..بأي حق ينتزعك من أحضاني..لن أحتمل فراقك..سأموت حتما..
آه لو كانت لدي صورة لك..ربما كانت ستخفف من لوعة فراقك التي تعتريني..
قالت: إن كان هذا سيخفف عنك لوعة الفراق فثق أنني لن أذهب قبل أن ألبي لك رغبتك..
جاهدت أن أقوم من السرير لأحتضنها ولكنها اختفت..
صرخت أناديها وما من مجيب..
بعدها كنت أرى أشياء لا يراها الناس حولي..
خفت أن يتهموني بالجنون فاعتزلت الدنيا في غرفتي..
ولكني كنت أرى كل شيء..
رأيتك مع ابنتي في القطار وأنت جالس أمامها تتحدثان سويا..
ورأيتها في بيت مضيفك تحادثك أمام المدفأة وتعرض عليك صورة زوجة اللورد..
رأيتك وأنت ترسمها وتحتفظ بلوحتها هذه..
ولما جئت إلى مدينتنا هذه كنت أنتظرك..وكنت أعلم أن حلمي على وشك التحقق..وأنك وحدك الذي ستحقق لي أعظم سعادة..
الآن فقط أستطيع أن أكون سعيدا كما كنت سعيدا وهي ما تزال حية..
هي الآن سعيدة لسعادتي..والآن فقط في استطاعتها أن تذهب بعيدا عني..إلى السماء..فقد كان حزني عليها هو الشيء الوحيد الذي يربطها بالأرض..
أشكرك يا ولدي..أشكرك كثيرا..
ثم قام وهو يحتضن الصورة وذهب إلى غرفته..
ولم أجد بدا من الذهاب إلى غرفتي أنا الآخر..فاستأذنت (مريم) وتمنيت لها ليلة طيبة..
وذهبت للنوم وأنا أفكر في كل تلك الأحداث العجيبة..
في الصباح دقت (مريم) علي بابي وأشارت إلي أن أتبعها بهدوء إلى غرفة أبيها..
دخلنا غرفته.. ووجدته في فراشه هادئا مبتسما وهو يحتضن صورة ابنته..
وسألت (مريم): مات؟
فهزت رأسها أن نعم..
ولم أر حزنا على وجهها. إنها تماما كما وصفها أبوها..واقعية جدًا..ولن تحزن لفراق أحد..ولن يحزن أحد لفراقها..

تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: